ابن عجيبة
367
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال البيضاوي : والحكمة ، في عرف العلماء : استكمال النفس الإنسانية ؛ باقتباس العلوم النظرية ، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها . ومن حكمته أنه صحب داود شهورا ، وكان يسرد الدرع ، فلم يسأله عنها ، فلما أتمها لبسها ، فقال : نعم لبوس الحرب أنت ، فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله ، وأن داود قال له يوما : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت في يدي غيرى . وأنه أمر لقمان بأن يذبح شاة ويأتيه بأطيب مضغتين منها ، فأتى باللسان والقلب ، ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين منها ، فأتى بهما أيضا ، فسأله عن ذلك ، فقال : هما أطيب شئ ؛ إذا طابا ، وأخبث شئ ؛ إذا خبثا . والذي عند الثعلبي : أن الآمر له بإتيان المضغتين سيده ، لا داود عليه السّلام قيل له : بم نلت هذه الحكم ، وقد كنت راعيا ؟ فقال : بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك ما لا يعنيني « 1 » . ه . قال صلى اللّه عليه وسلم : « أول ما رؤى من حكمة لقمان : أن مولاه أطال الجلوس في المخرج ، فناداه لقمان : إن الجلوس على الحاجة ينخلع منه الكبد ، ويورث الباسور ، ويصعد الحرارة إلى الرأس ، فاجلس هوينا ، وقم هوينا . » « 2 » وروى أنه قدم من سفر ، فقيل له : مات أبوك ، فقال : الحمد للّه ، ملكت أمرى ، فقيل له : ماتت امرأتك ، فقال : الحمد للّه ؛ جدّد فراشي ، فقيل له : ماتت أختك ، فقال : سترت عورتي ، فقيل له : مات أخوك ، فقال : انقطع ظهري . « 3 » ه . و « أن » - في قوله : أَنِ اشْكُرْ : مفسرة ؛ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول ، أي : وقلنا له : اشكر للّه على ما أعطاك من الحكمة ، وفيه تنبيه على أن الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي هو العمل بهما ، وعبادة اللّه والشكر له ، حيث فسر الحكمة بالحث على الشكر . وقيل : لا يكون الرجل حكيما حتى يكون حليما في قوله وفعله ومعاشرته وصحبته . وقال الجنيد : الشكر : ألا يعصى اللّه بنعمه . وقال أيضا : ألا ترى مع اللّه شريكا في نعمه . وقيل : هو الإقرار بالعجز عن الشكر . والحاصل : أن شكر القلب : المعرفة ، وشكر اللسان : الحمد ، وشكر الأركان : الطاعة . ورؤية العجز في الكل دليل القبول . وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ؛ لأن منفعته تعود عليه ، لأنه بريد المزيد ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ؛ غير محتاج إلى شكر أحد ، حَمِيدٌ ؛ حقيق بأن يحمد ، وإن لم يحمده أحد . وَ اذكر إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ ، واسمه : أنعم ، أو أشكم ، أو ناران ، وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ ، تصغير ابن ، لا تشرك باللّه ؛ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؛ لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا منه ، ومن لا نعمة منه أصلا . وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ( ص 49 ) ، والطبري في التفسير ( 21 / 67 ) ، وابن أبي شيبة ( 13 / 214 ) . ( 2 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 311 ) لابن المنذر ، عن عكرمة ، بدون رفع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . ( 3 ) عزاه في الدر ( 5 / 317 ) لعبد اللّه في زوائده ، عن عبد اللّه بن دينار .